سميح عاطف الزين
36
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
بمنزلة الماء العدّ « 1 » ، فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : فلا إذن » . والروايتان ، كما هو واضح ، تتشابهان تماما من حيث إقطاع الملح ، ثم العود عنه . ثم إنّ هذا الإقطاع يدلّ على جواز تمليك معدن الملح الذي يكون مقداره محدودا ، فإن كان مقداره غير محدود ، فإنه يصبح غير قابل للتمليك ، ودليله أن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لما علم أنه من المعدن الدائم الذي لا ينقطع ، رجع عن إقطاعه ، وأرجعه ، أي منع ملكية الفرد له ، لأنه ملكية جماعيّة . والحقيقة أنه ليس المراد هنا الملح ، وإنما المراد المعدن ، بوجه عام ، بدليل أن الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم منعه لمّا علم أنه لا ينقطع ، أي غير محدود المقدار ، مع أنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يعلم أنه ملح ، وقد أقطعه أوّل الأمر ، فالمنع حصل لكونه معدنا لا ينقطع . قال أبو عبيد : « وأما إقطاعه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أبيض بن حمال الملح الذي بمأرب ، ثم ارتجاعه منه ، فإنما أقطعه وهو عنده أرض موات يحييها أبيض ويعمرها . فلما تبيّن للنبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه عدّ - وهو الذي له مادة لا تنقطع مثل ماء العيون والآبار - ارتجعه منه لأن سنّة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في الكلإ والنار والماء أن الناس جميعا فيه شركاء ، فكره أن يجعله لرجل يحوزه دون الناس » . ولما كان الملح من المعادن ، فإن ارتجاع الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم عن إقطاعه لأبيض يعتبر علّة لعدم ملكية الفرد له ، وذلك لكونه معدنا . فتكون علّة المنع في عدم إقطاع المعدن كثرته ووفرته . وهكذا يتبين من رواية عمرو بن قيس أن الملح هو من المعادن ، حيث قال : « معدن الملح » . كما يتبين من استقراء كلام الفقهاء أنهم جعلوا الملح من المعادن ، فيكون الحديث متعلقا بالمعادن عموما ، لا بالملح خصوصا .
--> ( 1 ) الماء العد : الماء الذي لا ينقطع ، وفي الحديث تشبيه لكثرة الملح بالماء الذي لا ينقطع .